السبت 04 ذو الحجة 1441 - 12:51 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 25-7-2020
المنامة (يونا) - استطاعت مملكة البحرين إيجاد مساحة جديدة لمواصلة حراكها الثقافي المعروف والمميز، وصولاً إلى الجمهور عبر الفضاء والمنصات الإلكترونية الجديدة والمتنوعة، وذلك على الرغم مما أصاب مختلف قطاعات الحياة في جميع دول العالم جراء جائحة كورونا "كوفيد 19". 
وعبرت عن هذا المعنى رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، التي أشارت في تصريحات إعلامية إلى نجاح البحرين في إطلاق العديد من المبادرات والأنشطة عبر منصاتها الإلكترونية، وذلك لإثراء التواصل مع الشغوفين ببرامجها الثقافية المتنوعة من شعر وفن وتصوير وغيرها، إيمانا منها بأن العمل الثقافي "فعل دائم ومستمر" ولا يتوقف عند حدود معينة أو سقف بعينه.
وفي هذا الشأن، برزت خلال الفترة الأخيرة عدة جهود لهيئة الثقافة والآثار لتأكيد حضورها عبر الفضاء الإلكتروني الواسع، من ذلك: إطلاق الزيارات الافتراضية ثلاثية الأبعاد لعدد من المواقع الثقافية بالمملكة، وإعادة بث الحفلات الموسيقية والفنية التي استضافتها البحرين في المواسم الثقافية السابقة، فضلا عن توفير أوراق العمل التعليمية لبعض أنشطة الهيئة، وبما يضمن الوصول للطلاب في مراحل سنية مختلفة وبمشاركة ذويهم.
والمطلع على محتوى موقع الهيئة وحساباتها الإلكترونية عبر المنصات المختلفة بشكل يومي، يستطيع أن يجد العديد من العروض والنشاطات الجديدة التي تناسب الشرائح والتوجهات كافة، ويأتي على رأس هذه الفعاليات الافتراضية أفلام "التاريخ الشفهي" و"الفن عامنا" التوثيقية التي أنتجتها الهيئة لحفظ الإرث الثقافي غير المادي ومسارات حركة الفن التشكيلي بالبلاد، هذا فضلا عن آخر إصدارات ومطبوعات مكتبتها الإلكترونية، والأنشطة التفاعلية الأخرى.
واستندت الهيئة في رؤيتها وتحركها ذاك على عدة أسس، فإضافة إلى المساحة التي وفرتها التقنيات الحديثة للعمل الثقافي، التي يجب توظيفها بشكل أفضل مع استمرار انتشار تداعيات الجائحة، فإن هذه التقنيات وما تتيحه من برامج ومنصات متنوعة تسمح بحماية الكثير من الأصول والمكتسبات الفنية والثقافية عبر تقنيات الحفظ والاسترجاع والأرشفة، كما أنها تتيح الوصول لقاعدة أكبر من الجماهير لم تعد الوسائل التكنولوجية بالنسبة لهم تمثل عائقا.
وكان من أبرز المناشط الثقافية التي أطلقتها البحرين عبر موقعها ومنصاتها الإلكترونية المعرضان الفنيان: "من وحي الثقافة" و"من المحرق نستوحي"، اللذان انطلقا منتصف شهر يوليو 2020 الجاري، واستهدفا الترويج للمتاحف والسياحة الثقافية بالمملكة، وحظيا بتفاعل واسع من الجمهور المتعطش للفنون والعمل الثقافي، وتضمنا عدة أعمال متنوعة تعكس الملامح العمرانية والتاريخية والحضارية عموما في البلاد.
وعُدّ المعرضان بادرة جديدة تؤكد إصرار هيئة الثقافة على الوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور برغم الظروف الراهنة، خاصة أنهما فتحا الباب ـ لأول مرة ـ للراغبين من هواة ومحترفين بالمشاركة بإنتاجهم المتميز، الذي بلغ أكثر من 80 عملا متنوعا استقطب الكثير من محبي الفنون والثقافة، وتؤكد أيضا إثراء محتوى موقع الهيئة وحساباتها الإلكترونية من الأعمال الفنية المبدعة كالرسم والتصوير والكولاج والفنون الجرافيكية وغيرها.
وللتأكيد على أهمية التفاعل الحيوي مع جمهور المثقفين وإقامة قنوات اتصال حديثة مع عاشقي الفن والتصميم، وخاصة من الشباب الذي يولون أهمية قصوى للمواقع الإلكترونية وبرامج التصميم الحديثة، وفي إطار جهود إثراء الحركة الفنية والثقافية بالبلاد، والاقتراب أكثر من الناس في ظل ظروف التباعد، جاءت عدة مسابقات كمسابقة "طاولة وكرسي" التي أطلقتها هيئة الثقافة والآثار مطلع يونيو 2020 وتستمر حتى نهاية سبتمبر.
وتبدو أهمية هذه المسابقة وغيرها من أنها وُجهت أساساً لفئات ومراحل سنية عدة، واُستخدمت فيها المنصات الإلكترونية الحديثة، وذلك بهدف التفاعل مع الجمهور من جهة، واستقطاب مشاركات عدة من جهة أخرى، في إعادة تصميم هاتين القطعتين اللتين تحملان عنوان المسابقة، وبما يتوافق مع عدة شروط ومعايير تضمن إطلاق خيال المبدعين والمصممين من الشباب، وإبراز صفات القطعتين الجمالية، وفي الوقت ذاته التواصل مع فئات جديدة من المصممين والمبدعين.
ولم يقتصر الحضور البحريني الثقافي على مثل هذه البرامج والفعاليات الافتراضية فحسب، وإنما امتد هذا النشاط لعدة أنشطة واجتماعات ثقافية أخرى استهدفت التعاطي مع التداعيات التي فرضتها الجائحة، وتمت جميعها عبر تقنيات التواصل عن بعد، كالمشاركة في الاجتماع الاستثنائي لوزراء ثقافة الدول الإسلامية "إيسيسكو" بعنوان "استدامة العمل الثقافي في مواجهة الأزمات"، وفي جلسة نقاش بعنوان "صمود الفن" استضافها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) منتصف يونيو 2020 الماضي.
وكذلك المشاركة في الاجتماع الأول لشبكة مدن اليونيسكو للتصميم منتصف يوليو 2020، الذي جاء انطلاقا من عضوية البحرين الحالية بلجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، واستهدف التأكيد ـ ضمن أمور أخرى ـ على أهمية الجهود التي تبذلها الجهات المعنية بالمملكة، لا سيما الثقافية منها، للترويج للنموذج الحضاري والثقافي لمدينة المحرق بما تضمه من مقتنيات أثرية عظيمة، وحماية هويتها التاريخية، والحفاظ على ملامحها العمرانية.
والمعروف أن مدينة المحرق كانت قد اُختيرت أواخر 2019 ضمن قائمة المدن المبدعة في مجال التصميم من جانب اليونسكو، التي لا تضم سوى نحو 250 مدينة عالمية، وهو ما يضاف إلى سجل طويل من مكتسبات المدينة التاريخية والثقافية الأخرى، خاصة بعد أن سُجل طريق اللؤلؤ على قائمة التراث العالمي عام 2012، وفوزها في سبتمبر 2019 بجائزة الآغا خان للعمارة لما قامت به هيئة الثقافة ومركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث الأهلي من إحياء للمدينة وعمرانها، واختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2018.
وشاركت الهيئة أواخر يونيو 2020 في الاجتماع الاستثنائي للمسؤولين عن التراث الثقافي غير المادي في الدول العربية، الذي نظمته عبر تقنية الاتصال المرئي المنظمة العربية للعلوم والثقافة "ألكسو"، وذلك بهدف التعاطي مع تداعيات جائحة كورونا "كوفيد 19" وتأثيرها على المناشط والمحافل الفنية والثقافية، حيث أبرز الاجتماع طبيعة الجهود التي تبذلها المملكة للحفاظ على التراث الثقافي غير المادي العربي كفنون الخطوط العربية وزراعة النخيل و"لفجري"، حيث تعمل الهيئة على هذا الملف الأخير لتسجيله على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، بوصفه من أكثر فنون الأداء الشعبي شهرة في مملكة البحرين، ما يضاف إلى جهودها الأخرى أمام المنظمة ذاتها لتسجيل يوم عالمي للفن الإسلامي، الذي قُدم بمبادرة من جانب المملكة عام 2018، واعتمدته اليونسكو عام 2019 ليوافق 18 من نوفمبر من كل عام.
(انتهى)
ص ج/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي