الإثنين 13 شعبان 1441 - 11:03 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 6-4-2020
(يونا)
كالجاري (يونا) - قدم الأستاذ الزائر بكلية الطب بجامعة كالجاري الكندية الأستاذ المشارك بمجال البيولوجيا الجزيئية بجامعة سوهاج المصرية الدكتور محمد عمر التونسي، مقاربة علمية حول مسيرة الإنسانية على كوكب الأرض منذ ظهور آثار الإنسان الأول وعبر الحقب الزمنية المتتالية وصولاً إلى الإنسان في القرن الحادي والعشرين الميلادي وما أبدعه من علم وما حصله من معرفه وما واجهه من تحديات وصعاب وآخرها جائحة كورونا، وذلك في مقال علمي خص به اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا) جاء فيه:
على مدى أكثر من ثلاثمئة ألف عام، هي عمر أقدم حفرية للإنسان العاقل (Homo sapiens) والتي اكتشفت على ساحل المحيط الأطلسى بالمملكة المغربية علي يد فريق بحثي بقيادة الدكتور إيوين كالاواي (Ewen Callaway) من جامعة واشنطن (University of Washington)، مر الجنس البشري بمراحل عدة بدأها الإنسان رِحّالاً جامعاً للغذاء المتاح أو صائداً لما طالته آلته البدائية من رمح ونِبل وحجرَ.
 تعلم الإنسان قيمة العمل الجماعي وقوة وتأثير توزيع الأدوار في إنجاز المهام. فنبذ الفردية ودون برسوماته على جدران الكهوف مهام كل فرد من الجماعة والتي متى تم أداؤهاربحسب المتفق عليه كانت حتمية النجاح، وهو في ذلك الحين أن ينام ممتلئ البطن وفى مأمن من المفترس.
تلى ذلك ظهور المجتمع المستقر، وتحديداً منذ اثني عشر ألف عام، وهو تاريخ أقدم المجتمعات الزراعية والرعوية في مناطق الهلال الخصيب (مصر والعراق وسوريا والأردن وفلسطين وجنوب تركيا وغرب إيران)، والتي بظهورها تعاظم دور وأهمية المتخصص من صانع للأدوات ومستخدم لها وجامع للمحاصيل وتاجر يقايض ثم حديثاً يبيع ويشتري.
 إزدهر الكائن الإنسانى وازداد بمرور الزمن تعقد مجتمعاته، فتغير مفهوم عموم المعرفة المتمثل فى العالِم الجامع للعلوم مثل الطب والفلك والرياضيات أمثال جابر بن حيان وأبو نصر بن محمد الفارابي وأبو بكر الرازي وأبو يوسف يعقوب القحطاني الكندي ومحمد بن موسى الخوارزمي وأبو علي الحسين بن سينا وغيرهم من غير العرب والمسلمين أمثال أفلاطون وأرسطو وطاليس وسقراط وفيثاغورس، إلى واقع ما نعيشه الآن حيث اعتادت آذاننا على سماع أن فلاناً من الأطباء متخصص فى طب المناطق الحارة فقط، أو طب الأعماق فقط أوالطب النووي فقط، وأن فلاناً من المهندسين متخصص في هندسة التدفئة أو الطاقة الشمسية أو هندسة العمارة البحرية فقط، وأن فلاناً من الباحثين قد أفنى شبابه ليكتشف أن الكواركات (Quarks) هى ليست أصغر مكونات المادة بل يوجد ما هو أصغر. هذا الكم غير الممكن تخيله من المعرفة، أو بمعنى آخر المعلومات (Data) قد تخطى الحد الذي يمكن للمخ البشري التعامل معه بالدراسة والتحليل واستنباط ما ينفع. للوهلة الأولى قد يعتقد القارئ أننا في نهاية طريق مسدود ولكن الواقع يقول بأننا على أبواب مرحلة جديدة من تطورنا كجنس بشري وهي مرحلة تحليل البيانات الكبيرة أوالضخمة (Big data analysis).
وللتقريب، كم من مرة قمت بالبحث عن منتج ما على شبكة المعلومات باستخدام حاسبك الشخصي وبعد دقائق معدودة تنهال عليك إعلانات عن هذا المنتج ومنتجات شبيهة أومكمّلة له في كل تصفح لك على الشبكة ورسائل إلكترونية على بريدك الخاص وفي بعض الأحيان رسائل نصّية على رقم هاتفك. ولا تتفاجأ أن مثل هذه الإعلانات والرسائل قد أُرسلت أيضاً لأصدقائك ومعارفك ممن هم فى دائرة تواصلك الاجتماعى الإلكتروني. هذا ليس سحراً وإنما هو نتائج تطبيق الخوارزميات للبرامج الحاسوبية المعدة بواسطة عقول بشرية تعمل ليل نهار على جمع المعلومات عنك وعن غيرك من سكان هذه الكوكب الصغير" الأرض".
 إن ما تشتريه ومن أين وبكم تشترية وعنوان سكنك وساعات قيادتك للسيارة والأماكن التي تردادها والمواد الإعلامية التى تشاهدها وتسمعها، بل وعدد ساعات نومك، كل هذا وأكثر يعتبر مدخلات لبرامج حاسوبية بمعرفتها يمكن لهذه البرامج التنبؤ بأفعالك المستقبلية، وبالتالي طرح مقترحات وبدائل لاختصار وقتك وجهدك. الحال ذاته في العلوم الطبية والهندسية والبيولوجية، إلى آخره. فبتحليل ما توافر من بيانات فى مجال فزياء الفلك (Astrophysics) تمكن باحثون فى مركز هارفارد سميثسونيان (Harvard-Smithsonian) من حساب سبعة عشر مليار كوكب شبيه بالأرض فى مجرتنا "درب التبانة Milky Way " فقط. وفي منحىً آخر، قام المعهد القومي الأمريكي للصحة (National Institutes of Health) بمبادرة تحليل البيانات المعرفية الكبيرة أوالضخمة (Big Data to Knowledge (BD2K) Initiative) فى مجال الطب والهندسة الوراثية والعلوم البيولوجية التي من تطبيقاتها اكتشاف علاجات دقيقة وشخصية (Treatment with personalized, precision medicine).  وفي إطار ما يجابهه العالم اليوم، أقصد موضوع الساعة وهو فيروس كورونا (SARS-CoV-2)، فإن تطبيق آليات تحليل البيانات الكبيرة قد ساهم بفاعلية في تقصّي مصادر العدوى والتحكم في انتشارها وفي تحديد أكثر المجموعات البشرية عرضة للمرض. ففي تصريح للدكتور جيمس هيندلير(James Hendler) مدير معهد رينسلار لاستكشاف البيانات وتطبيقاتها (Rensselaer Institute for Data Exploration and Applications (IDEA)) لموقع تحليل تكنولوجيا المعلومات الصحية (Health IT Analytics)  قال: إن الباحثين في المعهد الذي يديره يتعاونون مع العديد من مراكز الأبحاث محلياَ ودولياً لجمع كافة البيانات المتاحة عن الفيروس ويقومون بتحليل هذا الكم الضخم من البيانات باستخدام الحواسب الفائقة (Supercomputers) ويزودون الحكومات بمعلومات عن بؤر تفشي المرض وتنبؤات غاية فى الدقة عن المعدلات المستقبلية للإصابة بل وعدد المستشفيات المطلوبة وتجهيزاتها من غرف عناية مركزة وأجهزة تنفس صناعي وطواقم طبية.
هذه هي البداية، فمن استطلاعات المستقبل القريب أنه استنادً إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وتعلم الآلة (Machine learning) قد يمكن لأي شخص منّا أن يشخّص مرضه بل ويصف الدواء لحالته، وقد يتمكن أي منا من تصميم، بل وتنفيذ مشروعات صناعية أو زراعية شديدة التعقيد. هل هذه عودة لمفهوم العالم الجامع سالفة الذكر؟ بالطبع لا. فالدراسة والبحث وسنون الخبرة والتطبيق العملي وأسلوب المحاولة والخطأ لم تعد، في كثير من الأحيان، متطلبات لأداء مهمة أوظيفة ما. ولن نذهب بعيداً، أنا وكثر مثلي نقود السيارة ونستعمل الهاتف الذكي والحاسب الآلي وليس لدينا أدنى معرفة بميكانيكا السيارات أوهندسة البرمجيات والإلكترونيات. وكل ما توجب علينا فعله هو إجادة استخدام هذا الذكاء الاصطناعي والباقي تؤده لنا الآلة ذاتياً.
وهنا تأتي حتمية طرح هذا السؤال: هل هذا شر أم خير، ضرر أم نفع لعموم الإنسانية؟ علمتنى دراسة العلوم أنه لا يوجد إجابات قاطعة أو حقائق مطلقة، فالنتائج في العلم نسبية. على سبيل المثال، العقار الذي يثبت فعالية علاجية تقدّر بعشروين بالمائة هو عقار ناجح بمفهوم العلم. حيث إن عشرين مريضاً من أصل مئة قد تم شفاؤهم بهذا العقار. عودة إلى السؤال المطروح، فى دراسة أٌجريت عام 2014 بالشراكة بين جامعتي جينيڤ (University of Geneva) السويسرية وجامعة روشستير (University of Rochester) الأمريكية، قام الفريق البحثي بكلية علم النفس وعلوم التعليم (Psychology and Educational Sciences) بقيادة الدكتور (Pedro Cardoso-Leite) بدراسة تأثير استخدام أجهزة التكنولوجيا الحديثة والألعاب المرئية (Video games) على ظاهرة التركيز فى أداء أكثر من مهمّة فى ذات الوقت أو ما يعرف بـ (Multitasking) عند الأطفال والبالغين. أوضحت نتائج الدراسة تفوقا نوعيا في القدرة على الأداء المتزامن للمهام الذهنية والبصرية والسمعية والحركية بل والتنقل بين مهمة وأخرى بسرعة وسهولة عند هؤلاء ممن يمارسون ألعاب الڤيديو الحركية (Action video games) بشكل منتظم مقارنةً بأقرانهم. وفي دراسة أحدث عام ٢٠١٥ توصل الباحثان ماري روثبارت ومايكل بوسنر (Mary K. Rothbart  و Michael I. Posner) من جامعة أوريجون (University of Oregon) بالولايات المتحدة إلى أن التطور النوعي في القدرة على الأداء المتزامن نتيجة ممارسة ألعاب الڤيديو الحركية يرجع لسببين, أولهما: أن الممارسة والتدريب المنتظم على أداء مهام عديدة بشكل متزامن يطور أجزاء بعينها في المخ البشري تعرف بالشبكات المخية (Brain networks)، وثانيهما: هو إحداث تغيرات في المخ نتيجة التحفيز المتكرر للعديد من هذه بالشبكات المخية. تطبيقات هذه الدراسات العلمية نعاصرها بشكل يومي مع أطفالنا، فهم يشاهدون التلفاز ويكتبون رسائل نصية على هواتفهم الذكية ويديرون حواراً معك في ذات الوقت.
قد يُصنف ما ذكرناه سالفاً بأنه تطور إيجابي، فماذا عن الجانب الآخر؟ بالفعل هناك دراسات تناولت الآثار السلبية للتكنولوجيا الحديثة على التطور الدماغي للأطفال. ففي تصريح لمجلة "علم النفس اليوم" الأمريكية (Psychology Today)، قال الدكتور جيم تايلور (Jim Taylor) مستشار الصحة النفسية للعديد من الفرق الرياضية: إن الإكثار من ممارسة ألعاب الڤيديو الحركية يقلل زمن فترات الانتباه (Attention Spans) عند الأطفال وإلى صعوبات في التركيز على أداء مهمة واحدة لوقت طويل. هذا بالإضافة إلى أبحاث أخرى أشارت إلى تأثيرات سلبية على العلاقات الاجتماعية وزيادة العزلة وعدم الرغبة في التفاعل المباشر مع الغير وتراجع في البنية الهيكلية والعضلية.   
أخيراً، ارتكاناً إلى مقولة "العبرة بالنتائج"، فإنه من المبكر جداً الحكم على عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي إيجاباً أو سلباً. وأخيراً، إن الرهان الحقيقي هو على العلم وعلى وعي المجتمعات.  
((انتهى))
ح ع، ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي